الثعالبي
434
جواهر الحسان في تفسير القرآن ( تفسير الثعالبي )
قال قوم : هذه الآية في الزكاة المفروضة ، وعلى هذا نسخ منها الوالدان ، وقال السدي : نزلت قبل فرض الزكاة ، ثم نسختها آية الزكاة المفروضة ، وقال ابن جريج وغيره : هي ندب ، والزكاة غير هذا الإنفاق ، وعلى هذا لا نسخ فيها . و ( ما تفعلوا ) جزم بالشرط ، والجواب في الفاء ، وظاهر الآية الخبر ، وهي تتضمن الوعد بالمجازات ، و ( كتب ) : معناه فرض واستمر الإجماع على أن الجهاد على أمة محمد صلى الله عليه وسلم فرض كفاية . وقوله تعالى : ( وعسى أن تكرهوا شيئا . . . ) الآية : قال قوم : عسى من الله واجبة ، والمعنى : عسى أن تكرهوا ما في الجهاد من المشقة ، وهو خير لكم في أنكم تغلبون
--> ( 1 ) ذكره ابن عطية في " المحرر الوجيز " ( 1 / 288 ) . ( 2 ) أخرجه الطبري ( 2 / 356 ) برقم ( 4071 ) ، وذكره البغوي ( 1 / 188 ) . وابن عطية في " المحرر الوجيز " ( 1 / 288 ) ، والسيوطي في " الدر المنثور " ( 1 / 437 ) ، وعزاه لابن جرير ، وابن أبي حاتم ، عن السدي . ( 3 ) أخرجه الطبري ( 2 / 356 ) برقم ( 4072 ) ، وابن عطية في " المحرر الوجيز " ( 1 / 289 ) ، والسيوطي في " الدر المنثور " ( 1 / 437 ) ، وعزاه لابن جرير ، وابن المنذر ، عن ابن جريج . ( 4 ) أجمع العلماء على أن الجهاد يكون فرض عين في ثلاثة أحوال : الأول : أن يستنفر الإمام شخصا أو جماعة للقتال ، ففي هذه الحالة يتعين الخروج على من طلب للجهاد . والدليل على ذلك قوله ( تعالى ) : ( يا أيها الذين آمنوا ما لكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله اثاقلتم إلى الأرض أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة فما متاع الحياة الدنيا في الآخرة إلا قليل ) [ التوبة : 38 ] . وجه الدلالة : أن الله ( تعالى ) أنكر تثاقلهم عن الجهاد ، ولو لم يكن متعينا لما أنكره عليهم . وما رواه الجماعة إلا ابن ماجة عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال : " لا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية ، وإذا استنفرتم فانفروا " . وجه الدلالة من الحديث : أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقول : من طلب للجهاد وجب عليه أن ينفر ، وهو معنى الوجوب العيني . الثاني : أن يدخل العدو بلاد المسلمين ، أو يتغلب على قطر من أقطارهم ، فيتعين القتال حينئذ ، والدليل عليه الإجماع ، لأنه من قبيل إغاثة الملهوف المجمع عليها . الثالث : عند التقاء الصفين يجب على من حضر القتال ، ويحرم الانصراف إلا إذا كان متحرفا لقتال أو متحيزا إلى فئة . والدليل عليه قوله تعالى : ( يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم الذين كفروا زحفا فلا تولوهم الأدبار * ومن يولهم يومئذ دبره إلا متحرفا لقتال أو متحيزا إلى فئة فقد باء بغضب من الله ومأواه جهنم وبئس المصير ) [ الأنفال : 15 - 16 ] فقد نهى الله المؤمنين عن التولي يوم الزحف ، وتوعدهم عليه ، والنهي والتوعد يدلان على أن الثبات واجب ، واستفيدت العينية من أداة العموم في قوله عز وجل : ( ومن يولهم ) . . . ثم اختلفوا في غير هذه الأحوال : فذهب جمهور العلماء إلى أنه فرض كفاية ، إذا قام به من فيه الكفاية سقط الطلب عن الباقين . وقيل : إنه فرض عين ، وحكاه الماوردي عن سعيد بن المسيب . وقيل : إنه مندوب .